ساسي سالم الحاج
157
نقد الخطاب الاستشراقي
إسلامهم ألّا ينزل عليه ما ينفرهم لكي يستميلهم ويردهم عن غوايتهم . وعندما قرأ سورة النجم وسوس له الشيطان فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال « تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » . وروي الغرانقة ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبّه عليه « 1 » . وهكذا بعد أن عرضنا عليك مختلف الروايات الإسلامية التي أوردت ذكر الآيات الشيطانية سنبرهن لك على عدم صحتها من الناحية العقلية والعلمية . أمّا من الناحية العقلية فإن الأمة الإسلامية قد أجمعت على عصمة الرسول فيما يبلغه عن ربّه من آي الذكر الحكيم . ولا يتصور عقل أن يلقي الشيطان على لسانه آيات مزوّرة افتئاتا على اللّه . إذ لو كان الأمر ممكنا بهذه الصورة لأصبح الشك في القرآن ذاته ، ولانهارت دعائم الدعوة الإسلامية من أساسها . ولاعتقدنا أن هناك آيات كثيرة قد وضعت عليها ، خاصة أنه من المعروف على سيرة النبي صدقه وأمانته وعظيم خلقه قبل البعثة وبعدها . ثم إن الرسول طبقا لهذه الروايات يكون قد تنازل عن أول هدف رئيس لدعوته وهو الوحدانية المطلقة للّه ، عندما قيل : إنه قد أشرك آلهة قومه مع اللّه في مسألة الشفاعة . وهذا الأمر لا يمكن تصديقه عقلا ومنطقا . لأن الرسول لم يتنازل عن هذا المبدأ الأساسي مهما كانت المغريات المقدمة له ، والتسويات المطروحة عليه ، والأماني والأحلام الموعودة له ، فهو - عليه السلام - رفض كل مغريات قريش من الجاه والسلطة والمال والنساء في سبيل هذا المبدأ ، وتعرّض لمخاطر الموت والاضطهاد ، وقاوم جميع هذه التسويات إلى النهاية فكيف نصدّق بعدئذ أنه قبل بإشراك آلهة قريش مع اللّه في الشفاعة ؟ ولو نظرنا إلى هذه القصة من الناحية التاريخية لرأينا استحالة حصولها لأن الرسول لم يتمكن في أثناء نزول سورة النجم من القراءة والصلاة عند الكعبة ، نظرا لعداوة قريش الضارية له ، ومنعها إياه وأصحابه من الجهر بالقرآن وتعاليمه في المحافل العامة المكتظة بالناس حتى لا يتأثّر السامعون به . ثم إن معاداة قريش للرسول ، واستحكام فخلافها معه ، وفشل جميع التسويات
--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف ، المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 19 .